بحث في الشروع في السرقة وفي الجريمة المنصوص عنها في المواد (323) وما بعدها من قانون العقوبات المصرى
يبدأ المجرم بالتفكير في الجريمة ثم يصمم على ارتكابها ثم يعين طريق الارتكاب وأخيرًا يتأهب لها ويقوم بالأعمال التحضيرية اللازمة إلى أن يبدأ في التنفيذ نفسه.
ولا نزاع في أن لا عقاب على التفكير في الجريمة والتصميم عليها والتأهب لها والقيام بالأعمال التحضيرية، إنما العقوبة على من يبدأ في التنفيذ.
فمتى ينتهي التأهب والأعمال التحضيرية ؟ ومتى يبدأ تنفيذ الجريمة ؟
هنالك رأيان بين الفقهاء:
أولهما يقول بأن التنفيذ لا يبدأ إلا بقيام المجرم بعمل من أركان الجريمة نفسها لأنها هي التي تكون الجريمة وأن الأعمال التحضيرية تعلن عن الجريمة وتوصل إليها ولكن لا تحقق وقوعها، أما أعمال التنفيذ فهي التي تحقق وقوع الجريمة في تعريفها القانوني وكان هذا رأي جارو في طبعته الأولى (جزء أول فقرة 178).
ويقول الرأي الثاني بأن النظرية السابقة تحول دون توقيع العقوبة على أشخاص كان من الواجب معاقبتهم فيبحث الأمر لا من جهة أركان الجريمة بل من جهة نية الفاعل فيقضي بأن أعمال تنفيذ الجريمة هي الأعمال التي يرى مرتكبها أنها تؤدي مباشرةً إلى وقوع الجريمة ولو لم تكن تلك الأعمال من أركانها، ويرتكن في تعزيز رأيه هذا على ألفاظ مادة الشروع التي تقرر بأن الشروع ليس هو البدء في تنفيذ الجريمة نفسها بل في تنفيذ أعمال بقصد ارتكاب الجريمة (مادة (45) عقوبات أهلي)، وهذا هو رأي جارو الأخير.
وقد تغلب الرأي الثاني بين فقهاء فرنسا وأخذت به أغلبية محاكمها.
تلك هما النظريتان، فما هو التطبيق العملي في حالة دخول شخص عقارًا أو بيتًا مسكونًا أو معدًا للسكنى أو في سفينة مسكونة أو في محل معد لحفظ المال وذلك بقصد ارتكابها جريمة فيها، تلك الحالة التي نص قانون العقوبات المصري الحديث في سنة 1904، على اعتبارها جريمة قائمة بذاتها.
قال (شوفو وفستان هيلي) إن الدخول المذكور - ولو كان بطريق التسور أو الكسر أو المفاتيح المصطنعة - هو تمهيد للفعل الجنائي وليس بدءً فيه فلا عقاب (جزء أول وجه 406 و407) - وهذا هو رأي تريبوتان وبرتول وكذلك كان رأي الرومانيين.
على أن جارو يرى في الدخول بالوسائل المذكورة شروعًا في السرقة إذا تبين قصد الفاعل وظهرت نيته في ارتكاب جريمة السرقة (جارو فقرة 2097 - ومختصر جارو فقرة 67).
وقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأن التسور والكسر لا يفيدان الشروع في الجريمة إلا في أحوال السرقة (حكم محكمة النقض في 16 يوليو سنة 1885 - سيرى 87 - 1 - 95 والبندكت 98 في بحث الشروع).
أما في مصر فإن حضرات أعضاء النيابة عامة جروا على اعتبار مجرد الدخول في منزل إلخ بنية السرقة شروعًا في السرقة (ويقيدون) القضايا بهذا الوصف، وسارت المحاكم على هذا الرأي أيضًا إذ قضت بالعقوبة في أحوال وجود شخص في منزل آخر وظهرت نيته من الدخول وهى السرقة (استئناف مصر في 17 أكتوبر سنة 1892 - وفي 8 أكتوبر سنة 1893 وفي 3 فبراير سنة 1894)، وكذلك صدر حكم من محكمة النقض في 9 يناير سنة 1897 مصرحًا بأن لا نزاع في اعتبار دخول الرجل منزل غيره شروعًا في السرقة متى اقترن هذا الفعل باعتراف منه بقصده السرقة، (مجال الشرائع جزء 6 صفحة 108).
أما بعد صدور قانون العقوبات الجديد في سنة 1904 فلم أعثر على أحكام صادرة في هذا الموضوع مباشرةً وكل ما وقفت عليه هو حكم 27 سبتمبر سنة 1916 من محكمة النقض والإبرام قضى بأن مجرد نقب الحائط بغير أن يثبت أن النقب تام يعتبر شروعًا في السرقة (الشرائع سنة 4 صـ 34)، وحكم آخر صدر من محكمة النقض أيضًا في 13 مايو سنة 1918 واعتبر مجرد توجه المتهمين لمحل وجود المواشي ومحاولة الوصول إليها بتحريك ضبة الباب شروعًا في السرقة (الشرائع سنة 6 صـ 39) إلى أن اطلعت في عدد المحاماة الأخير على حكم صدر حديثًا في 18 يناير سنة 1931 من محكمة النقض في القضية رقم (337) سنة 48 قضائية.
والعلة المرتكن عليها في أغلبية الأحكام هو أن الكسر والتسور واستعمال المفاتيح المصطنعة هي من الظروف المشددة في جريمة السرقة فوجب اعتبار الدخول بهذه الوسائل بنية السرقة شروعًا في هذه الجريمة، أما حكم محكمة النقض الأخير فدليله أن المنازل حرم آمن لا يجوز لأحد دخولها إلا برضاء أصحابها أو في حدود القانون.
على أنه إذا كان الدخول ليس بطريق الكسر والتسور واستعمال المفاتيح المصطنعة بأن كان الباب مفتوحًا فولجه المتهم وجب إذن أن لا يكون في ذلك شروعًا في السرقة، ومع ذلك فإن الشراح رأوا أنه يعتبر في هذه الحالة شروعًا أيضًا وقضت بذلك محكمة عابدين في 6 سبتمبر سنة 1892 وتأيد الحكم استئنافيًا كما قضت بذلك محكمة النقض في 9 يناير سنة 1897، وهو الحكم السابق بيانه وكذلك حكم النقض الصادر في 11 مايو سنة 1918 الذي اعتبر شروعًا في السرقة مجرد توجه المتهمين إلى محل وجود المواشي المقصود سرقتها ومحاولتهم دخول المحل بقصد السرقة بتحريك ضبتها.
وإنا نرى أولاً: إنه من غير المعقول أن يكون لكيفية الدخول وهو من الظروف المشددة نتيجة في تكوين جريمة السرقة وعدم تكوينها لأن لكل جريمة أركانها الخاصة بصرف النظر عما يحيط بها أو يسبقها من الظروف المشددة.
ثانيًا: إذا كان الدخول بقصد ارتكاب جريمة غير السرقة كالقتل مثلاً ومشفوعًا بظروف مشددة كأن كان الدخول بطريق الكسر أو التسور وهذا دال على سبق الإصرار والترصد وهما من الظروف المشددة في جريمة القتل فإن جارو نفسه زعيم المشددين يرى أن ليس في ذلك شروعًا في القتل إلا إذا شفع الدخول بأشياء أخرى (مختصر جارو فقرة 67)، ومع أنه تبعًا للنظرية السابقة كان يجب أن يكون مجرد الدخول للقتل شروعًا في جريمة القتل، وكذلك الأمر إذا كان الدخول لارتكاب جريمة وقاع أو هتك عرض أو تسميم.....
أما حرمة المنازل فلا علاقة بينها وبين السرقة والشروع فيها، والمادة (323) وما بعدها كفيلة بصيانتها.
نخرج من ذلك أن الشراح والمحاكم بصفة عامة لم تعتبر مجرد دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه شروعًا إلا إذا كانت هذه الجريمة هي جريمة السرقة، أما فيما عدا ذلك فلا شروع إلا إذا شفع الدخول بأمر آخر.
وقد كان في هذا الرأي لدى الشراح الفرنسيين ومحاكمهم وكذا لدينا قبل سنة 1904 حكمة ظاهرة لأن السرقات هي من الجرائم كثيرة الانتشار فوجب حماية المجتمع منها بتوقيع الجزاء على كل من يحاولها إذا ما ثبتت نيته عليها فشد الفقهاء والمحاكم الخناق واعتبروا شروعًا في السرقة دخول المنازل من أجلها، ولا يعتبرونها شروعًا إذا كان الدخول لأمر آخر إلا إذا شفع ذلك بشيء آخر أدل على الشروع وذلك لخلو القانون الفرنسي والقانون المصري القديم على عقاب خاص لمجرد الدخول.
على أن الشارع المصري قد خلق في سنة 1904 في قانون العقوبات الجديد من دخول منزل أو عقار أو سفينة أو محل لحفظ المال بقصد ارتكاب جريمة فيها جريمة جديدة خاصة أخذت من التشريع الهندي والتشريع السوداني يقضي بالعقوبة عليه في المادة (323) عقوبات وما بعدها.
فبعد التشريع الجديد الذي حفظ للمنازل وغيرها حرمتها الآمنة لسنا في حاجة إلى التوسع في التطبيق في مسائل جنائية واعتبار مجرد الدخول شروعًا إذا كان بقصد السرقة أما إذا كان بقصد القتل أو غيره فلا.
ومن الغريب أن وزارة الحقانية في تعليقاتها على هذا القانون على ما اطلعت عليه في كتاب جندي بك عبد الملك في باب الشروع استدلت بنفس استدلال محكمة النقض الفرنسية واعتبرت الدخول للسرقة بالكسر والتسلق شروعًا في السرقة لأنهما من الظروف المشددة للسرقة، مع عدم الحاجة إلى ذلك كما قدمنا وذلك لوجود النص الجديد باعتبار ذلك العمل جريمة خاصة.
فإذا وجد الشراح الفرنسيون والمحاكم الفرنسية والمحاكم المصرية قبل سنة 1904 أنفسهم مكرهين على التضييق في التفسير في القانون الجنائي لمصلحة اجتماعية عامة فإننا لسنا في حاجة إلى الدخول في هذا المأزق بصدور قانون سنة 1904 الذي فيه الكفاية للدفاع عن مجتمعنا المصري.
بناءً على ذلك أرى أنه إذا دخل شخص منزل آخر أو عقاره إلخ....، وتبين قصده وهو ارتكاب جريمة السرقة فيه فليس من التطبيق القانوني الصحيح اعتبار ذلك شروعًا في السرقة بل يجب اعتباره جريمة دخول منزل إلخ... بقصد ارتكاب جريمة فيه.
وإن ظهور غرض المجرم في دخوله المنزل لا قيمة له إذا لم يبدأ بعد في القيام بعمل حقيقي له علاقة أوفى بالجريمة حتى يعتبر شروعًا فيها، وهو محاولة الاختلاس في أحوال السرقات ومحاولة القتل نفسه أو هتك العرض أم التسمم، وإن الدخول في ذاته لا تأثير له في تكوين الجريمة سواء أكان الدخول من الباب المفتوح أو بالكسر أو بالتسول أو بغير ذلك.
عبد المجيد سلمان
المحامي بقسم قضايا الحكومة الأهلية